عبد الحي بن فخر الدين الحسني
مقدمة 39
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر
منذ عرفت اليمين من الشمال ، وميزت بين الرشد والضلال ، لم أزل ولرعا بمطالعة كتب الأخبار ، مغرى بالبحث عن أحوال الأدباء الأخيار ، حريصا على خبر اسمعه ، أو شعر تفرق شمله فأجمعه ؛ حتى اجتمع عندي ما طاب وراق ، وزين بمحاسن لطائفه الأقلام والأوراق " . وقد نشأ على معرفة طبقات الرجال وخصائصهم ودقائق اخبارهم إلى حد غريب ، فكان له فن تاريخ الهند سليقة وذوقا ، إذ كان لغيره صناعة وكدا . 2 - ومنها انه كان مشاركا في جميع العلوم السائدة في عصر المترجمين والسلف من علماء الهند ، وكانت له بصيرة نافذة في العلوم العقلية والنقلية جامعا إلى ذلك الإلمام بالتصوف وعلم الحقائق نظرا وعملا ، مطلعا على مذاهب السادة الصوفية ومشاربهم وأذواقهم وانشعاب طرقهم ومصطلحاتهم وتعبيراتهم مدارسة وممارسة ؛ وهو مما لا غنى عنه للمؤلف في تراجم أعيان الهند . 3 - ومنها انه كان ذا مواهب في التاريخ قد رزقه اللّه صفاء الحس وثقوب النظر وحسن الملاحظة ودقتها ، يضع الرجل في طبقته ويصفه بصناعته ، فإذا أخرجته عن مكانه ووضعته في مكان آخر أو جعلت له شعارا آخر نبا به موضعه ؛ فهو في ذلك يشبه ابن خلكان في وفيات الأعيان . 4 - ومنها الإتقان والإحكام فلم يستعجل في كتابه ولم يبادر بنشره بل مكث حياته ينقح ما كتب ويهذبه ويراجع المصادر ويستأنف النظر ، فليس ما اقتنع به وذهب اليه في نقد الرجال ووصفهم من سوانح الآراء بل هي آراء حصيفة قد احكمتها الدراسة وطول الممارسة بالفن . 5 - ومنها انه يمتاز مع سعة نظره بسعة قلبه وسلامة صدره لا يتحيز إلى فئة في التاريخ ولا يتعصب على جماعة بل يؤدى الأمانات إلى أهلها ويأتي بالشهادة على وجهها ، وقد ساعدته أحواله وثقافته ومركز بيته